تحدثت المقالة السابقة عن السلطان “صلاح الدين الأيوبيّ” وحكمه “مِصر”، بعد وفاة الخليفة “العاضد بالله”، نائبًا عن “نور الدين”. إلا أن العَلاقة بين “نور الدين” و “صلاح الدين” آلت إلى فُتور ووَحشة بسبب فك “صلاح الدين” حصار “قلعة الشُّوبَك”، وعودته إلى مصر متعللاً باختلال أمورها؛ فلم يقبل “نور الدين” عذر “صلاح الدين” وتغير من ناحيته، وقرر دخول “مِصر” وعزله عنها؛ فبلغت تلك الأنباء مسمع “صلاح الدين”، فاجتمع بأهله واستشارهم في الأمر، فأشار بعضهم بمحاربة “نور الدين”، لٰكن “نَجم الدين” أبوه نصحه بأن يكتُب إلى “نور الدين” معلنًا طاعته؛ ويذكر “ابن الأثير”: “فلما خلا «نَجم الدين أيوب» بابنه «صلاح الدين»، قال له: يا بنيّ، بأيّ عقل قلت هذا؟! أما علمت أن «نور الدين» متى سمِع عزمنا على منعه ومحاربته، جعلنا أهم الوجوه عنده؛ وحينئذ لا نقوى به. وإذا بلغه طاعتنا له، تركنا واشتغل بغيرنا. والأقدار تعمل عملها. واللهِ، لو أراد «نور الدين» قصبة من قصب السكر، لقاتلتُه أنا عليها حتى أمنعه، أو أُقتل! ففعل «صلاح الدين» ما أشار به والده عليه، فترك «نور الدين» قصده واشتغل بغيره”. وقد ملك “صلاح الدين” على “مِصر” نائبًا عن “نور الدين” حتى تُوفي “نور الدين” سنة569هـ (1174م)؛ وانفرد بحكم البلاد.
وسنة 1182م، قاد “صلاح الدين” جيوشه إلى “دمشق”، بعد موت “نور الدين”، وفتحها، وتسلمها، وفرض سلطانه عليها وعلى جميع قراها وما يتبعها. ثم اتجه نحو “حلب” وأقام عليها حصارًا لٰكنه لم يقوَ عليها، فتوجه إلى “حِمص” و”بَعْلَبَكّ” وفتحهما، ثم تملك كل من “سِنجار” و”مَنبِج” و “حَران” و”نِصِيبين” على الجانب الآخر من “الفرات”، وفتح عديدًا من مدن “الموصل”، لٰكنه لم يتمكن من مدينة “الموصل”؛ فعاد إلى “حلب” التي تصالح مع حاكمها وتسلمها، لٰكنه لم يفرح بها بسبب موت أخيه “تاج الدولة” أثناء حصارها. اتجه السلطان “صلاح الدين” فيما بعد إلى “دمشق”، ثم خرج لمحاربة الغزاة وحاصر حصن “الكَرَك”، لٰكنه لم يقدر عليه فعاد إلى “دمشق”، ثمإلى “مِصر”سنة 581هـ (1184م).
إقرأ أيضاً ...